الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
188
مناهل العرفان في علوم القرآن
ولقد علمت أن حمل المتشابهات في الصفات على ظواهرها مع القول بأنها باقية على حقيقتها ، ليس رأيا لأحد من المسلمين ، وإنما هو رأى لبعض أصحاب الأديان الأخرى كاليهود والنصارى ، وأهل النحل الضالة كالمشبهة والمجسمة . أما نحن - معاشر المسلمين - فالعمدة عندنا في أمور العقائد هي الأدلة القطعية ، التي توافرت على أنه تعالى ليس جسما ولا متحيزا ولا متجزئا ولا متركبا ، ولا محتاجا لأحد ، ولا إلى مكان ولا إلى زمان ، ولا نحو ذلك : ولقد جاء القرآن بهذا في محكماته إذ يقول : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ويقول : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ * وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ويقول : إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ . وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ويقول يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ . وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ وغير هذا كثير في الكتاب والسنة ، فكل ما جاء مخالفا بظاهره لتلك القطعيات والمحكمات ، فهو من المتشابهات التي لا يجوز اتباعها ، كما تبين لك فيما سلف . ثم إن هؤلاء المتمسحين في السلف متناقضون ، لأنهم يثبتون تلك المتشابهات على حقائقها ، ولا ريب أن حقائقها تستلزم الحدوث وأعراض الحدوث كالجسمية والتجزؤ والحركة والانتقال ، لكنهم بعد أن يثبتوا تلك المتشابهات على حقائقها ينفون هذه اللوازم ، مع أن القول بثبوت الملزومات ونفى لوازمها تناقض لا يرضاه لنفسه عاقل فضلا عن طالب أو عالم . فقولهم في مسألة الاستواء الآنفة : إن الاستواء باق على حقيقته يفيد أنه الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز ، وقولهم بعد ذلك ليس هذا الاستواء على ما نعرف ، يفيد أنه ليس الجلوس المعروف المستلزم للجسمية والتحيز . فكأنهم يقولون : إنه مستو غير مستو ، ومستقر فوق العرش غير مستقر ، أو متحيز غير متحيز وجسم غير جسم ، أو أن الاستواء على العرش ليس هو الاستواء على العرش . والاستقرار فوقه ليس هو الاستقرار فوقه ، إلى غير ذلك من الإسفاف والتهافت ! فإن أرادوا بقولهم الاستواء على حقيقته ؛ أنه على حقيقته التي يعلمها اللّه ولا نعلمها نحن ، فقد اتفقنا ، لكن بقي أن تعبيرهم هذا موهم ، لا يجوز أن يصدر